عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

349

معارج التفكر ودقائق التدبر

مشركون مكّة المعاندون المصرّون على عنادهم إبّان التّنزيل ، ويلحق بهم أمثالهم : * أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) : أي : أبقوا في بلدهم ، ولم يسيروا مسافرين في رحلاتهم ، فينظروا بأعينهم بلاد المهلكين السّابقين ، الّذين دمّر اللّه بلدانهم وأبقى منها آثارا يعتبر بها أولو الألباب ، وكان ذلك عاقبة كفرهم بالحق ؟ ؟ ! . استفهام فيه معنى التّلويم والتّثريب ؛ لأنّهم في رحلاتهم التجاريّة ، كانوا يرون آثار المهلكين السّابقين من كفّار الأمم السّالفة ، الّتي أمضت رحلات امتحانها من قبلهم ، ومنهم من كانوا في أزمانهم أشدّ من أهل مكّة إبّان التّنزيل قوّة ، وأشدّ آثارا عمرانيّة في الأرض ، فدمّر اللّه بلادهم ، وعذّبهم ، وأهلكهم إهلاك استئصال . * كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ : * قَبْلِهِمْ ضمير فصل جيء به لتوكيد أنّ المهلكين السّابقين كانوا في أزمانهم أشدّ من مشركي مكّة إبّان التّنزيل قوّة وآثارا في الأرض ، فلم تحمهم قوّتهم ، ولم تقهم منشآتهم من عقاب اللّه لهم ، بتدمير منشآتهم ، وتعذيبهم ، وإهلاكهم إهلاك استئصال . الآثار : مفردها « الأثر » وهي ما خلّفه السّابقون من أعمالهم أو ممتلكاتهم ، مادّيّات أم معنويّات . * فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ : أي : فقبض اللّه عليهم قبض عقاب ، بسبب ذنوبهم ، ولو كان هذا القبض بأيدي المأمورين بذلك من ملائكته ، فعذّبهم ، وأهلكهم ، ودمّر دورهم وحصونهم وبلادهم .